يوم في رعية قلب يسوع ومزار لورد في ناعور

يوم في رعية قلب يسوع ومزار لورد في ناعور

مراد صيداوي
2018/01/05

دعتني جمعية الكاريتاس الاردنية، الى زيارة بلدة ناعور، وذلك لاكمال ارشفة المشاريع التي تقوم بها الجمعية الرائدة في احترام الكرامة الانسانية، وكان المطلوب تصوير مشروع محو الامية الذي اسسته الجمعية، وجعلت مقرا له في كنيسة اللاتين في ناعور، بمشاركة خمسين سيدة سورية آثرت الكاريتاس ان تقدم لهن ليس الماء والغذاء والدوار فحسب، بل كذلك التعليم والخروج من ظلمة الجهل والامية الى نور العلم والمعرفة.

وبعد التصوير الذي أخذته كواجب انساني رائع أعتز به دائما. "علقت" هنالك بالرعية، وقابلت كاهنها الاب رفعت بدر الذي أعرفه منذ ان كان راعيا لكنيسة اللاتين في السماكية، حين اطلق من هنالك، من عمق الصحراء الاردنية موقع ابونا الذي ما زال شعاره وسيبقى: اعلاما من أجل الانسان. وكان وقتها يستقبل مديرة المدرسة ومديرة الروضة التابعتين للبطريركية اللاتينية، وتم قبل اشهر تدشين الطابق الجديد للمدرسة واستحداث الصفين التاسع والعاشر، وكذلك تدشين الروضة الجديدة النموذجية، برفقة المعلمين والمعلمات. ومن يرى هذا التجمع، يقول في نفسه، حقا ان البطريركية فتحت مدارس كثيرة، لكن التمييز لم يكن يتسلل ولا باي شكل كان، فترى المعلمة المسيحية والمعلمة المسلمة يسيران جنبا الى جنب مؤمنتين بالرسالة التعليمية المقدسة.

ودخلت الكنيسة، بعد أن اخذت صورا للمدخل الرائع الذي تشعر ازاءه كأنك تدخل قلعة حصينة، بأسوار عالية، وتيجان حجرية تكلل القمة والى جوارها الصليب معانقا جرسية الكنيسة التي تعود الى عام 1956، اي قبل اثنتين وستين عاما. ودخلت الكنيسة المسماة على اسم "قلب يسوع الاقدس"، وصورت مغارتها الفريدة من نوعها، اذ تبتعد عن الصور التقليدية للمغارة، وصنعتها الراهبة مارسيل الزعمط، لتحاكي مغارة سيبيرية تعلوها الثلوج... وفي اسفل الهيكل الذي جدد رخامه حديثا، تسطع صورة القدس باقصاها وقيامتها، والملاك الحارس الى جوارها يقول على لسان القدس: الرب راعي فلا يعوزني شيء.

وهبطت الى درج سفلي قادني الى الرعية التي ستسمى قريبا، قاعة سيدة لورد، ومدخلها الذي سيسمى حديقة برناديت... تذكرت جيدا اني زرت القاعة بشكل آخر، قبل اربع سنوات حين سكنها واحد وخمسون شخصا جاؤوا مثقلين وتعبين ومجروحين من سهل نينوى العراقي الصامد. وتذكرت كيف كنا نأتي للزيارة ونشرب الشاي والقهوة مع ما يسموا بالمهجرين فاذا بهم معلمون ومصدر اسعاد للاخرين، وقبل ذلك كنا نرى ابتسامة النصر على وجوههم، ذلك انهم تركوا كل شيء في سبيل ان يحافظوا على ايمانهم. لذلك رايت على جدران الدير عند "ابونا" صورتين كبيرتين متقنتين كأنهما تتحدثان، الاولى المعروفة عالميا اليوم بلوحة التهجير من الموصل، فقلت لابونا رفعت، من اين وصلتك هذه الصورة؟ فقد رايتها في الكثير من المواقع. فضحك وقال، يا صديقي مراد، هذه هي اللوحة الاصلية، وقد رسمها شاب عراقي يدعى بشار عاش هنا مدة سنتين واكثر وترك لنا الذكرى الحبيبة. واللوحة الثانية، هي سيدة لورد - المزار الحديث في ناعور، والذي اصبح لوحده حكاية الحكايات ومزارا ياويه الحجاج والحاجات من مختلف البلدان والقارات.

وقلت، اين المزار؟ فقادني "خوري الرعية" اليه، ومع صوت الشلال وشجرة الوحدة الوطنية التي تمت اضاءتها قبل ايام، وتحمل صورة القدس وحمامة السلام واسماء المدن الاردنية والفلسطينية، ومع صوت الترنيم الذي انطلق من حنجرة جهاز الصوت الموضوع بدقة، قلت في نفسي، اتراني اصبحت مثل موسى، يبصر العليقة المشتعلة دون ان تحترق ... اخلع نعليك، فالارض التي انت عليها هي ارض مقدسة. فخلعت كاميرا التصوير، ونظرت في عيني برناديت، وفي عيني شخص العذراء التي راى فيها كثير من آباء الكنيسة العليقة المشتعلة، التي تنظر الى من امامها بلطف لا متناهي ونور لا يضاهيه اي نور... فقلت: سلام عليك يا مريم.. جئت أصوّر محو الاميّة.. فاذا بي أزيح غبار الجهل عن رعايانا العزيزة. ايه ما أجمل رعايانا، انها كنوزنا التي لا تقدر بذهب ولا أموال، فاحفظيها يا مريم وباركينا وباركيها.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء