فلسطين حرية... لا عنف ولا كراهية

فلسطين حرية... لا عنف ولا كراهية

إميل أمين
2018/05/19

أثبتت الأيام القليلة المنصرمة أن القضية الفلسطينية ربما باتت في حاجة إلى خطاب مغاير ورؤية نضالية مختلفة عما جرت به المقادير خلال العقود السبعة المنصرمة، وربما قيادات من جيل آخر تستطيع أن تتعاطى مع العالم الجديد بلغة إنسانية، لا لغة خشبية.
طويلاً وكثيراً ما أشرنا إلى أن فلسطين ليست قضية عرقية ولا هي قضية دينية، رغم أن الأرض في الأصل لأصحابها من الشعب الفلسطيني، ومع التأكيد على ما تمثله لأتباع الأديان الإبراهيمية المنتشرين في قارات الأرض الست من أهمية.
كانت القضية الفلسطينية، وستظل، قضيةً إنسانيةً، قضية تحرر من طغيان الاحتلال، ومَن يسانده، دون أي مسحة من كراهية أو نية للعدوان، قضية تحتاج إلى نهج نضالي منفتح على العالم لا منغلق على ذاته.
على خلاف ما توقعت إسرائيل، لم يكن قرار نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس انتصاراً سياسياً، بل بات انكساراً أخلاقياً ومعنوياً، لا سيما أنه استند إلى رؤى ثيؤولوجية ودوغمائية كارثية يمجّها العالم المسيحي الغربي، إلا حفنة من غلاة «الأصولي اليميني»، من أمثال الوعاظ المنحولين جون هايغو وروبرت جيفرس، وخطاباتهما التي تنضح كراهية وإقصاء للآخر الفلسطيني، مسلماً كان أو مسيحياً من المقدسيين.
يتفهم المرء المشاعر الجياشة للشباب الفلسطيني الذي دعا لمسيرات العودة، وله في الحق ألف حق، غير أن الزمن في واقع الأمر يخبرنا أن هناك حاجةً ماسّةً وعاجلةً لطرحٍ آخر للتواصل مع العالم؛ طرح يمكن أن نطلق عليه فقهَ أو لاهوتَ ما بعد مجزرة غزة، على غرار «لاهوت ما بعد أوشفيتز».
على أنه وقبل التأصيل لما ننادي به من خطاب جديد يتحتم علينا الإشارة إلى أمرين غاية في الأهمية:
الأول: التفريق الواضح بين اليهودية كديانة والصهيونية كنظام عنصري وإسرائيل كدولة احتلال، بمعنى أنه يتوجب في خطابنا الجديد أن نضبط المعاني بأكبر قدر من الدقة، لما سيترتب عليها من تبعات واستحقاقات حول العالم.
الثاني: أن المملكة العربية السعودية وبنوع خاص أحسنَتْ كثيراً جدّاً الأيام القليلة الماضية حين أبدت رأياً واضحاً وقاطعاً في رفضها وإدانتها للهولوكوست، الذي جرى في أوشفيتز لبشر كل ذنبهم أنهم من الديانة اليهودية، ما لقي احتراماً وتقديراً كبيرين في كل الأوساط الدولية والأميركية خاصة، وما يتيح لنا الحديث عن الرؤية الجديدة لفلسطين الحرية، وفلسطين النضال، دون دعوات الموت والكراهية والعنف الذي أضحى الداني والقاصي رافضاً له.
أوشفيتز للذين لديهم علم من الكتاب هو معسكر الاعتقال والإعدام الذي بنته ألمانيا النازية في 27 أبريل (نيسان) 1940، أثناء احتلالها بولندا في الحرب العالمية الثانية، وقضى فيه ملايين اليهود نحبهم حرقاً في أفران الغاز أو رمياً بالرصاص.
لخصت «أوشفيتز» كل المذابح التي ارتُكِبَت عبر التاريخ، ويمكن لمذبحة غزة بدورها أن تضحي درة التاج في تاريخ النضال للشعب الفلسطيني، وعليه، لا يمكن أن يبقى الصوت التحرري المستعبد على أرضه كما كان من قبل.
مثير جدّاً أمر الدولة الإسرائيلية، فقد طرحت في المجامع الدولية قضية الهولوكوست بوصفها قضية للظلم الإنساني غير المسبوق، وها هي اليوم تعيد إنتاج شرور «أوشفيتز» بالارتكان إلى النار والدمار والبارود.
يحتاج الفلسطينيون اليوم إلى أصوات مقاومة غير عنيفة تصدح في جميع المحافل الدولية مخاطبة الضمائر الحية التي لم تمت، والركب التي لم تجثُ لبعل القوة المفرطة، محدثة الجميع عن التوق إلى الحرية الإنسانية التي هي هبة ومِنّة من الخالق.
أمر آخر يحتاج إليه النضال الفلسطيني الجديد، وهو كشف زيف الطروحات اللاهوتية كافة، التي تبرر الاحتلال، وهذه قضية تحتاج إلى شروح معمّقة، ذلك أن دونالد ترمب قد ارتقى سدّة البيت الأبيض بأصوات قطاع غالب من أولئك الذين يملكون رؤية لما يمكن أن نسميه «لاهوت الاحتلال»، مع العلم أن كل حرف من هكذا فكر بعيد كل البعد عن العمق الإيماني المسيحي السديد، وهو ما تجلى في مواقف الفاتيكان الرافض منذ زمن البابا بيوس الحادي عشر (1835 - 1914) إلى زمن البابا فرنسيس، جعل القدس مدينة مكرسة لشعب بعينه أو لدين بذاته، وفي ردات فعله على مجزرة غزة تكلم أسقف روما، متسائلاً: ما الذي يمنع أن تكون القدس عاصمة لدولتين فلسطينية وإسرائيلية، مع التأكيد المطلق على حرية ممارسة جميع شعائر وطقوس الأديان التوحيدية الثلاث على أرض زهرة المدائن؟!
هذا الفكر اليميني المنحول كان سبب كوارث كثيرة في الشرق الأوسط، ومن أسف مرشح لأن يكون عاملاً مؤججاً لنيران فتنة تدوم، إن لم يتم التعاطي معه بردود عقلانية وإيمانية جامعة مانعة.
الفلسطينيون على التخصيص والعرب بوجه العموم مطلوب منهم وعلى وجه العجل الناضج (إن جاز التعبير)، الحديث إلى العالم عن فلسطين المحررة بلسان النضال الساعي لبناء مجتمع عادل وأخوي، حيث يمكن أن يعيش الإنسان الفلسطيني بجوار الإنسان الإسرائيلي في دولتين مستقلتين بكرامة وبتوادّ.
المزيد من المقاومة الفلسطينية مطلوب ومرغوب، وإنما في اتجاه آخر، مقاومة بالكلمة والصورة في زمن وسائط الاتصال الاجتماعي التي جعلت بالفعل عشرات الآلاف في بريطانيا وفرنسا وأستراليا وحتى في الداخل الأميركي تخرج مندِّدة بما جرى في غزة.
مطلوب من الشباب الفلسطيني، وعوضاً عن الموت عند نقاط التماس، إجادة تقديم قصصهم الإنسانية، قصص شعب مهيمَن عليه، وسجّان يعمِّق الكراهية العرقية والدينية، ويهمِّش الآخر ويقصيه، سجَّان كان حلمه ذات مرة أن يستيقظ من نومه ليجد غزة بمن عليها من البشر والحجر قد طرح في مياه الغمر العظيم.
أمام الشعب الفلسطيني نموذجان من الداخل الأميركي لا نستنكف عن الإشارة إليهما؛ مارتن لوثر كينغ وخطابه النضالي الناجح لتحرير السود دون انتقام من البيض، بل دعوته لدعم مسيرة إنصاف المظلومين دون حقد أو كراهية أو عنف تجاه الظالمين، وخطاب مالكوم إكس الذي أخفق رغم رجاحة عقله ورحابة خطابه وقوة حجته، ربما لأنه سلك درب الأحادية الضيِّق، ولم يفسح المجال لـ«فرح اللقاء» بالآخر.. لينظر الفلسطينيون ماذا يرون؟

(الشرق الأوسط)

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء