عن التربية والتعليم وتشكيل الهوية الوطنية

عن التربية والتعليم وتشكيل الهوية الوطنية

رومان حداد
2018/02/22

مع إعلان نتائج الثانوية العامة، وفرح العديد من الطلبة بالنجاح، حضرني سؤال مقلق بالنسبة لي، وهو سؤال ناتج عن تجربة عملية ليست بالقصيرة مع طلبة الأردن، وهو لماذا الطلبة الأردنيون لا يعرفون تاريخهم وتاريخ منطقتهم، ولا يهتمون بتحصيل هذه المعرفة، لماذا الضعف الواضح في اللغة العربية والتاريخ والتربية الوطنية، هل فعلاً يتم صياغة هذه المواد ككتب تدريسية بصورة مملة تمنع الطالب من التفاعل أو الاحتفاظ بالمعلومات، أم أن من يقدم هذه المواد للطالب والطالبة يقدمها بصورة كئيبة، وهو غير مقتنع بمضمونها، فيتم تحفيظه بصورة مؤقتة ما يحتويه الكتاب، وتنتهي صلاحية المادة المحفوظة بانتهاء الامتحان.

ها هي تحضر مرة أخرى أسئلة مقلقة حول التعليم المدرسي في الأردن، وتحديداً التعليم في المدارس الحكومية، هذه الأسئلة هي حول المستوى التعليمي وتمكين الطلاب من امتلاك المعرفة في المجالات الإنسانية وما يشكل الهوية الفردية والجمعية للطلبة، بالإضافة إلى مهارات الحوار وصقل شخصية الطلاب في إطار الهوية الوطنية الأردنية، ومساعدتهم في امتلاك معارف متسقة مع التطور وملكات معرفية قادرة على التعامل مع المعلومات وتطوير العلاقات بينها.

لا يعقل أن نسبة كبيرة من طلبتنا تتجاوز النصف لا تعرف ما هي الدول التي تحد الأردن، ونسبة أكبر بكثير لا تعرف تاريخ استقلال الأردن أو تاريخ تعريب قيادة الجيش، أو تاريخ معاركنا مع عدونا الصهيوني، كمعركة اللطرون وباب الواد، وتاريخ معركة الكرامة التي سيطر فيها جيشنا العربي أسطورة حقيقية بهزيمته للجيش الإسرائيلي وحماية الأردن من الاحتلال.

وفي مقابل هذا التجهيل الذي يحدث في المدارس، وعملية تسطيح الهوية وتبهيت صورتها، فإننا نرى عنفاً مجتمعياً في المدارس وفي الجامعات وخارجهما، ويعود في أساسه إلى الدور الذي فشلت المدارس في القيام به، ومرد ذلك أن المناهج الخاصة بوزارة التربية والتعليم لم يكن لدى واضعيها تصور واضح في كيفية بناء الشخصية الوطنية، وهو ما يؤشر بوضوح إلى غياب الرؤية الاستراتيجية لدى الدولة ككل، وهو ما يوجب عليها إعادة النظر في المدرسة ودورها والمناهج التعليمية ووظيفتها.

فما تمتاز به وزارة التربية والتعليم عن غيرها من الوزارات أنها تتعامل مع الغالبية العظمى من المواطنين الأردنيين ولفترة طويلة، وأنها تقدم المدخلات المكونة لشخصية هذا المواطن عبر ما يسمى بـ(المناهج التعليمية)، وبالتالي إذا ما تم التعامل مع فكرة المنهاج التعليمي الموحد بصورة ذكية لامتلكت الدولة أكبر وأهم جهاز إعلامي وهو هذا المنهاج، حيث تستطيع من خلاله بناء وصقل شخصية المواطن بصورة تتوافق وتصور الدولة للهوية الوطنية.

فاهتمام وزارة التربية والتعليم بتطوير بعض مناهج المواد العلمية لم يتزامن معه تطوير المناهج (الإنسانية) التي يتعلمها الطلاب في المدارس كمنهاج الاجتماعيات والتاريخ ومنهاج الثقافة الوطنية، والتي لها الدور الأكبر في بناء الشخصية الوطنية، فظلت هذه المناهج بعيدة عن القيام بدورها، حيث يجب أن يتم من خلال هذه المناهج توحيد النظرة للتاريخ الأردني والإجابة على العديد من الأسئلة والتصورات التي تطرحها قراءات (التاريخ البديل)، وهو التاريخ المحكي في البيوت وفي الغرف المغلقة، وهو قراءة التاريخ الذي يتعرض له اليافع واليافعة دون وجود قراءة للتاريخ يستطيع الركون إليها والمحاججة بها، لذا فإن التاريخ الأردني (مجتمعياً) غير موحد، وهو ما يؤثر في بناء الشخصية الوطنية للأردنيين.

فمنهاج التربية الوطنية لا يساعد في تنمية التصور الوطني لدى الطلاب، وكذلك منهاج التاريخ، وتطوير هذين المنهاجين يتطلب إتاحة المجال للنقاش والحوار داخل الغرفة الصفية، وهو ما يغيب عن مدارسنا الحكومية، بحيث تتحول هذه المناهج من فرصة للحوار والنقاش إلى مناهج تثقل على الطالب بحفظها وتحويل المادة من مادة قابلة للفهم إلى نقاط يجب أن تحفظ بالترتيب، مما أفقد هذه المناهج دورها ووظيفتها.

كما يبرز غياب عدد من المناهج المهمة وأبرزها منهاج المنطق ومنهاج الفلسفة، وهما منهاجان يساعدان على توسعة إدراك الطلاب وتطوير الأفكار وآليات الحوار والنقاش، كما يساعد على الاطلاع على تجارب الآخرين في تطور عملية التفكير.

بالإضافة إلى ذلك فإن وزارة التربية والتعليم تعلم تمام العلم أن العديد من المدارس الخاصة (خمس نجوم) والتي تدرس المناهج الأجنبية لا تدرس اللغة العربية ولا تدرس تاريخ الأردن لطلبتها، وهو ما يعني خلق جيل من الطلبة منبت عن مجتمعه، ولكنه مؤهل مهارياً، وهو ما يعني أن المستقبل سيضع هؤلاء الطلبة في مواقع المسؤولية، وهم سيتعاملون مع وطنهم الذي سيحكمونه بنظرة المستشرقين.

على الدولة أن تعي دور وزارة التربية والتعليم وأهمية وجود قراءة متوافق عليها للتاريخ السياسي والعسكري الأردني، مدعوما بامتلاك الطلاب ملكات التفكير والحوار، لأن التاريخ ليس مجرد مصدر للحكايات والقصص بل هو (بئر) الفخار الوطني وما يشحن الشخصية الوطنية.

لا يمكن لدولة أن تنطلق نحو التمكين الديمقراطي دون أن يمتلك أفرادها ثقة بدولتهم وافتخاراً بهويتهم الوطنية وقدرة على الحوار لتغليب لغة العقل والمنطق على لغة العنف، ولا تصل الدولة إلى مستوى ديمقراطي متقدم ما لم يكن المجتمع دون وجود مجتمع واعٍ، مدرك لدوره وإمكاناته، ويبقى السؤال الأشد حرجاً وهو هل تريد الدولة المضي قدماً في طريق الإصلاح أم أن ما يقال عن التمكين الديمقراطي وغيره من الشعارات الإصلاحية مجرد يافطات عريضة لعبور المراحل دون إنجازات حقيقية يمكن البناء عليها؟

(نقلا عن الرأي الأردنية)

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء