عندما يقتبس البابا من دوستيفسكي

عندما يقتبس البابا من دوستيفسكي

الأب رفعت بدر
2018/02/01

جاءت رسالة الفاتيكان الإعلامية لهذا العام تربوية بامتياز. وللتذكير فهي تصدر سنوياً في الرابع والعشرين من كانون الثاني منذ 1967 موقعّة من قداسة البابا، حيث يصادف ذلك التاريخ عيد القديس فرنسيس السالسي (من القرن 16)، وهو الفرنسي الأصل وعيّن أسقفًا على جنيف، واشتهر بكتابة الرسائل التربوية، لذلك اعتبر رائدًا في علوم التواصل والاتصال.

تحمل رسالة هذا العام، والموقعّة من البابا فرنسيس، عنوان: «الحق يحرركم – الأخبار المزيفة وصحافة السلام»، وتحمل في طياتها ثلاثة أجزاء، ولكل جزء حكاية:

أولاً، التحذير من الأخبار المزيفة: وهي معلومات مضلِّلة، لا أساس لها من الصحة، تُنشر على الإنترنت أو وسائل الإعلام التقليدية، وتعتمد معطيات غير موجودة، أو مشوّهة وترمي إلى خداع القارئ، أو حتى التلاعب به. وتعود فعالية هذه الأنباء الكاذبة بالدرجة الأولى إلى طبيعتها الخادعة، أي القدرة على الظهور وكأنها قابلة للتصديق، مستندة إلى صور نمطية منتشرة داخل النسيج الاجتماعي، ومستغلة مشاعر سهلة وسريعة الظهور. وتصف الرسالة الإستراتيجية المستخدَمة في الأخبار المزيفة «بمنطق الأفعى»، القادرة على التخفّي واللدغ بحجج مزيفة وجذابة، فتشق طريقها إلى عقل الإنسان، وتخلق الكثير من أشكال الشر ضد الله تعالى، والقريب، والمجتمع والخليقة.

ثانيًا: الحق يحرركم: فالتعرُّض المستمر للغة خادعة يقود في الواقع إلى تعتيم دواخل الشخص، وهنا يبرز اقتباس البابا كاتب الرسالة من الكاتب الروسي الشهير دوستيفسكي، في روايته الأخوة كرامازوف التي تعتبر من المآثر الأدبية في التاريخ البشري كله، وفيها: «مَن يكذب على نفسه ويصغي إلى أكاذيبه الشخصية يصل إلى حالة لا يمكنه فيها تمييز الحقيقة، لا في داخله ولا في ما حوله، وهكذا يبدأ بفقدان تقديره لنفسه وللآخرين». وقد وظفها فرنسيس لكي يشجع على قول الحق والابتعاد عن آفة «الكذب» الإعلامية. كما تشير الرسالة إلى ضرورة التدقيق في ما يدعم الشركة ويعزِّز الخير والوفاق.

ثالثًا، صحافة سلام: إنّ أفضل علاج ضدَّ الزيف ليس الاستراتيجيّات وإنما الأشخاص: أشخاص، أحرار من الجشع، يكونون مستعدّين للإصغاء ويسمحون للحقيقة بأن تظهر، ويتحمّلون المسؤولية في استعمال الكلام. وتدعو الرسالة في هذا السياق الصحفي ليكون مسؤولاً وأميناً في نقل الأخبار، واصفة إياه بـ’حارس الأخبار‘، فهو في العالم المعاصر لا يقوم بمهنة وحسب، إنما برسالة حقيقية، ولديه الواجب بأن يذكّر أنه وفي محور الخبر لا توجد السرعة في نقله والتأثير على الجمهور، وإنما الأشخاص. وأن نقل الأخبار هو عبارة عن تنشئة، وبأن يكون في علاقة مع حياة الأشخاص. ولذلك تشكّل دقَّة المصادر وحماية التواصل عمليات حقيقيّة لنموِّ الخير وتوليِّد ثقة وفتح دروب شركة وسلام.

وتختتم الرسالة بالدعاء التالي: «يا رب اجعلنا أدوات للسلام عبر وسائل التواصل، فنمارس الإصغاء حيث الضجيج؛ ونُلهِم التناغم حيث الفوضى؛ ونحمل الوضوح حيث الغموض؛ والمشاركة حيث الإقصاء؛ والرزانة حيث إثارة المشاعر؛ ونطرح التساؤلات الحقيقيّة حيث السطحيّة؛ ونفعِّل الثقة حيث الأحكام المُسبقة؛ ونحمل الاحترام حيث العدائيّة؛ ونبث الحقيقة حيث الضلال». آمين.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء