رهبان الجزائر.. سلام على أرواحكم ودمائكم وشهادتكم

رهبان الجزائر.. سلام على أرواحكم ودمائكم وشهادتكم

الأب رفعت بدر
2018/01/27

ينتهز موقع أبونا إعلان الفاتيكان موافقته على الإعتراف باستشهاد خادم الله بيار كلافيري، أسقف وهران السابق، و18 راهبًا وراهبة عاشوا واستشهدوا في الجزائر خلال الأعوام 1994-1996، من بينهم رهبان تبحرين، بإعادة نشر مقال لرئيس التحرير مؤرخ بـ2 آب 2012، ولسان حالنا يقول اليوم: يا شهداء الجزائر.. صلوا من أجلنا:

قادتني الخطى إلى الجزائر، وإذا بي أذهب إلى دير تبحرين الذي أصبح مسرحًا لأبشع الجرائم... وفيما يلي ما راودني من أفكار...

رجال وآلهة - فيلم حصد جوائز عالمية، وابتدأ عرضه قبل عامين في مختلف أنحاء العالم إلا الجزائر وبعض الدول العربية، فهو فيلم يخلو من أي لقطة تخدش الحياء العام وليس فيه بطولات بشرية زائفة أو بحث عن مجد دينوي باطل فهو يتحدث عن سبعة رجال عاشوا في دير تبيرين (أو تبحرين) الذي يبعد عن العاصمة الجزائرية نحو ثمانين كيلومتر.

تأسس هذا الدير عام 1938 وسكنه الرهبان البندكتان الذين نسميهم بالمحابيس، وهم شبيهون بالرهبان في دير اللطرون في الأرض المقدسة، زرت هذا الدير في الصباح الباكر، ولا تستطيع أن تشاهد أيًا من الرهبان فقد رحلوا، إلى أين؟ منهم عاد إلى موطنه الأصلي بعدما قررت رئاسة الرهبنة من الانسحاب ومنهم من رحل إلى الديار السماوية... شهيدًا.

نحن نتحدث عن عام 1996 عن "سنوات الضياع" في الجزائر حيث كان كل مواطن مشروع شهيد من أجل الوطن، كما كان هؤلاء الرهبان مشاريع شهداء من أجل الصليب.

رهبة حقيقية داخل أسوار الدير وأروقته وغرفه التي كانت تمتلئ من الحياة الصامتة –حياة الرهبان- الذين علمهم القديس بندكتس الصلاة والعمل كطريقين إلى القداسة، وقد أضيف إلى هذين المبدأين في الجزائر، مبدأ ثالث يغسل ويطهر وينقي... رغم أنه ما زال إلى اليوم سرًا غامضًا... وهو مبدأ الاستشهاد.

في سنوات القتل العبثي كان أمام الرهبان خيارات عديدة منها الرحيل نهائيًا، ومنها البقاء نهارًا والذهاب إلى المدينة ليلاً للمبيت والنوم والأمان، ومنها البقاء ليلاً ونهارًا في الدير، وبعد صلاة وتفكير ونقاشات طويلة... وتصويت أخوي حاسم، قرّر الرهبان بالإجماع... البقاء للصلاة معًا والأكل معًا والعمل معًا والاستشهاد معًا، وهكذا حصل في جريمة هزت العالم أجمع.

أجساد الرهبان ووريت الثرى في الدير، وقد وقفتُ أمامهم مصليًا ومرنمًا. ورائحة قداستهم نُقلت في ملفات إلى روما لمناقشة أمر تطويبهم. إلا أن الأهم هو الذكرى الحسنة التي ما زالت في قلوب من عرفهم، وحتى من لم يكن موجودًا آنذاك ويسمع حاليًا عن محبة أولئك الرهبان وتحليهم بالخدمة والمسامحة والابتسامة فعند بوابة الدير هناك عيادة، كان أحد الإخوة يُعالج فيها كل مريض وموجوع كان يطرق بابه... ومجانًا. لذلك ما زال الناس يتساءلون هل سيعود الرهبان يوماً؟

أما وصية كريستيان رئيس الدير، فتعتبر من التحف الأدبية والفنية، ليس ببلاغتها وفصاحتها وقدرتها على التعبير وإنما عن تعلق الرهبان بأرض الجزائر واستعدادهم للموت في سبيل من أحبوه: أي الإنسان الجزائري، بغض النظر عن دينه وانتمائه السياسي.

في الوصية، يُفكر كريستيان -وقد توقع هذه الميتة ولم يتمناها- بوجه أخيه الذي صيصبح عدوّه ويقتله، لكنّه يتمنّى أن يتاح له الوقت الكافي... لكي يسامح.

المحبة يا جماعة هي الأقوى وهي القادرة على تخليص الإنسان من الخوف ومن البغضاء.

سلامًا على أرواحكم ودمائكم وشهادتكم...

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء