النفق

النفق

د. لانا مامكغ
2018/02/25

ماذا سنتركُ لعلماءِ الآثار بعد قرون يا تُرى؟ كيفَ سيقرؤونَ تفاصيلَ حياتِنا الحاليّة؟ فإذا كان أجدادُنا قد تركوا الفخاريّات، والمخطوطات، والحُلي المعدنيّة، والعملاتِ، وأدواتِ الزّراعةِ والصّيدِ البدائيّة البسيطة، ماذا سيجدون من آثارنا نحن حين يُنقبّون وراءنا ذات زمنٍ قادم؟

لعلّهم سيُدهشون كثيراً حين يستخرجون الأدواتِ والآلاتِ التي اعتمدنا عليها في إدارةِ حياتنا، مثالٌ على ذلك، الهواتف الأرضيّة القديمة؛ تحديداً ذلك الجهاز الأسود الثّقيل الضّخم... ثمّ، ومع التراتب العمودي لآثارِ الحضارات،سيجدون هواتفَ أصغرَ فأصغر... لتُدهشهَم من جديد محدوديّة الزّمن الذي انتقلت فيه البشريّةُ من الاتّصال الأرضي إلى الخليوي الفضائي

وقد ينبري بعضُ علماءِ الاجتماع والانثروبولوجيا في ذلك المستقبل لكتابةِ بحوثٍ عن الآثار النّفسيّة والاجتماعيّة لذلك التّطوّر المتسارع، فيتوصّلون إلى رصدِ مظاهر الإدمان التي عانينا منها في تعاملنا مع العالم الافتراضي... ذاك الذي شغلنا عن بعضِنا بعضاً... كما سيكتشفون أنَّ هذه الأجهزة قد ساهمت في تدنّي قدراتنا على التّواصل مع الآخرين بدلَ أن تعزّزها، إضافة إلى دورها في تدنّي مهارتنا الحسابيّة من جهة، كما سيوثّقون أنّها أدّت إلى انقراض « الخطِّ البشريّ « من جهةٍ أخرى

وقد يصنعون لنا تماثيلَ تعبيريّةً طريفةً مضحكةً تُعرضُ في متاحفهم ونحنُ نحملُ تلك الأجهزة في البيوتِ والمكاتبِ، والمركباتِ، وغرفِ النّوم، والجلوسِ، والمطاعمِ، وفي كلّ مكانٍ يخطرُ أو لا يخطرُ على بال

وهكذا سنكونُ نحنُ التّاريخ، في زمنٍ مستقبلي قادم ستعيشُه أجيالٌ لا تشبهُنا... ولا تحملُ ملامحنَا

تلك مرحلةٌ ستشهدُ تغييراتٍ قد لا يسعفُنا خيالنُا القاصرعن إدراكِ أبعادها، لعلَّ أبرزَها، تبعاً لمقولات العلماء، تغييراتٍ في العمر الافتراضي للإنسان مع التّطوّرات التي ستحدثُ في عالم الطّب والتّداوي، إذ ستختفي شخصيّةُ الطبيب، ليحلَّ مكانها « روبوت « مؤهّلٌ للمعالجة وإجراء العمليّات الجراحيّة... فلن يعودَ ثمّةَ طبيبٌ يربّتُ على ظهرِ طفلٍ أو مسنٍّ ليبشّره بالشّفاء القريب...فأسبابُ الوفاةِ من أمراضٍ وأوبئة وأعراض شيخوخةٍ ستتراجعُ باطّراد، بمعنى أنَّ عددَ المسنّين سيزيدُ كثيراً، بالمقابل، لم يقل أيٌّ منهم شيئاً عمّا سيفعلُه هؤلاء في ذلك العمر الممتد الممّل... هذا إذا أخذنا في الاعتبار انحسارَ حالةِ التّواصل الإنساني أكثر ممّا يحدثُ في عصرنا الحالي، هذا إن لم تختفِ تماماً... ، بدليل المبادرة التي قامت بها الحكومة البريطانيّة بتعيينها وزيرةً للوِحدة... نعم ثمّةَ وزارةٌ جديدةٌ طويلةٌ عريضة هناك فئتُها المستهدفة 9 ملايين بريطاني يعانون من الوحدةِ والعزلة.،حتى أنَّ معظمَهم لا يتبادلُ كلمةً واحدة مع آخرين لأيّامٍ... كما صدرَ تقريرٌ يفيدُ أنَّ الوحدةَ تضرُّ بالصّحة بما يماثلُ الضّررَ المتأتي من تدخين 15 سيجارةً يوميّاً

أمّا الرّائعُ في الموضوع، فليس تخصيصُ وزارةٍ فقط، بل لعلّه في ملاحظةِ هؤلاء، والالتفاتِ لهم باهتمامٍ وجِدّيّة بعد إعداد إحصائيّةٍ دقيقةٍ مؤثّرة

مع ذلك، وفي حين يعدُ المستقبلُ بعمرٍ أطولَ حسبَ زعمهم، وبصحّةٍ وعافيةٍ مثاليتين، إلا أنَّ عزلةَ الإنسان ستزيد... لتحضرَ الأسئلةُ المُرعبة: هل سيعني ذلك القادمُاختفاءَ العلاقات الإنسانيّة؟ هل ستختفي الصّداقة؟ هل سينقرض الحب؟ هل سيستغني الإنسانُ عن أخيه الإنسانِ تماماً؟ هل ستتآلفُ الأجيالُ القادمة ُمع مزيدٍ من الإحساسِ بالوحدة حين تملأُ « الرّوبوتات « حياة َالبشريّة ؟ ألن تُفتقد الصّحبةُ والألفة ُوالأنسُ مع آخرين يحبّهم ويحبّونه ؟ أيُّ نفقٍ معتمٍ هذا الذي يتربّصُ بالحياة الإنسانيّة ؟ أهو العصرُ الجليديّ في أحدِ تجليّاته ذاك الذي تسعى البشريّةُ لدخولِه؟

لا نعلم، لكن قد يبقى عزاؤنا أنّنا لن نعيشَ في ذلك المستقبل البائس... لن نعيشَ في المرحلةِ التي يصبحُ فيها رفيقُناأيّامَ الشيخوخةِ الباردة رجل آليّ يعملُ ببطاريّة.

(نقلا عن الرأي الأردنية)

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء