المجمع الفاتيكاني الثاني والحركة المسكونية.. هل من أمل للوحدة؟

المجمع الفاتيكاني الثاني والحركة المسكونية.. هل من أمل للوحدة؟

ألمانيا - الأب منويل بدر
2017/10/10

ممّا لا شك فيه، أنه عندما نقارن علاقة الكنيسة مع المجتمعات العالمية إجمالاً والدّيانات الأخرى خاصة من عام 1960 قبل المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني وفي سنة 2017 حيث ستحتفل الكنيسة البروتستنتية بيوبيلها الـ500 الذي تسميه يوبيل الإصلاح (هذا ولا أدري أيَّ الإصلاح)، لنجد أن الأوضاع اختلفت تمامًا. فلقد ساعد المجمع المسكوني بقراراته على فتح الباب بمصراعيه للتحدث وربط علاقات حوارية مع كل الثقافات والإيديولوجيات المعروفة. وأما مع الديانات الأخرى فقد أوجد المجمع كلمة الحوار المسكوني، الذي ما كان معروفًا وأبدل كلمة المنشقين السلبية بكلمة أتباع الدّيانات الأخرى وعاد الحديث عن الإيمان المشترك (الذي يفهمه كلٌّ على هواه). نعم، منذ المجمع الفاتيكاني الثاني ما عاد مكان للنزاع بل لمد اليد إلى الآخر. لقد اختلفت العلاقة بين الطرفين، حيث ابتدأت اللقاءات وجها لوجه وعلى طاولة مستديرة، أوّلا للمصالحة والتعارف على بعض، إذ مرّت عصورٌ ما بادل الأخ أخيه السلام. ثانيا لاكتشاف جذور الإيمان ونقاط ممارسات مشتركة بين الطرفين، كانت إمّا غير معروفة أو مرفوضة بسب الانشقاق، مثلا الزواجات المختلطة، صلوات أسبوع الوحدة. وثالثا والأهم هو اكتشاف النقاط اللاهوتية المتنازع عليها وتكليف لجان اختصاصية لحلُّها. وهذا طريق شائك وطويل لكنه غير مستحيل.

لا ننكر بأنه بسبب الانشقاق والمناوشات الطويلة بين الطرفين، فقد تطول الفترة المستقبلية قبل حلّ ما تمّ الخلاف عليه، خاصة فَهْمُ غلطات الماضي بعقلية اليوم والتشبّث بها. لكنا نقدر أن نقول إن ما توصّل الحوار إليه بين الكنيستين في حقبة الخمسين سنة ما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني لهو أكثر بكثير ممّا حدث في الـ500 سنة الماضية.

هذا لا يعني أن الخلاف بين الكنيستين بالهيّن وسينتهي قريبًا، بل إن موقف الكنيسة البروتستنتية بالنسبة لبعض العقائد الإيمانية من 500 سنة ما تغيّر وما تبدّل، وهو للأسف موقف رفض لما يخص بعض العقائد الدينية، كما ذكرنا في مقال سابق، منها القبول بأولوية خليفة المسيح وبالعقيدة اللاهوتية الدينية المرتبطة بهذا المركز، أي عصمة البابا من الخطأ عندما يدافع باسم الكنيسة عن الإيمان والأخلاق ووصايا الله. ثم الاعتراف بسرّي الكهنوت والإفخارستيا وبتولية العذراء وإكرام القديسين بل وشفاعتهم إلى جانب شفاعة المسيح، المخلص الوحيد. وهنا لا بد من التأكيد أن هناك كثيرين حتى في قلب الكنيسة البروتستانتية نفسها غير راضين عن موقف كنيستهم بهذا الشكل العدائي، ولنا في القس Andreas Theuerer الذي كان يعتني برعية بروتستانتية كبيرة في ميونيخ أحسن مُعبّر عن هذه المقولة. القس طُرد من كنيسته البروتستانتية لأنّه اكتشف عنادها في رفض هذه الحقائق الدينية الصحيحة، كما قال عنها، ولم يقدر أن يقتنع من اعتراضات كنيسته على تعاليم وعقائد الكنيسة الكاثوليكية التي قال عنها هي الأصح والأصدق والأقدم، إذ أجدادنا ونحن آمنا بها إيمانًا متينًا لأكثر من 1500 سنة، والآن فنحن نكذّب إيمان كل الأجيال السابقة حتى تاريخ الانفصال قبل 500 سنة. لقد أصدر كتابًا قيّمًا بعنوان "لماذا لا نصبح كاثوليك". فنّد فيه كل اعتراضات الكنيسة البروتستانتية الغير مُحقّة، حتى لا نقول الباطلة على الكنيسة الكاثوليكية. لذا حرمته كنيسته فتركها هو وعائلته وهو الآن يتهيأ بدراسة اللاهوت الكاثوليكي ويريد أن يصبح كاهنًا كاثوليكيًا بعد أن تأكد أن الكنيسة الكاثوليكية فاتحة ذراعيها له ولزوجته ورفيقة حياته أيضًا.

هنا وليسمح لي القارئ باقتطاف ونشر آخر أمنيات هذا القس، الذي قريبًا ما سيقبل السيامة الكهنوتية ويعيّن في رعية كاثوليكية في أبرشية ميونيخ. هذه كلماته وأمنياته في آخر كتابه كما قلت "لماذا لا نصبح كاثوليك"... "لماذا لا زلنا بروتستانت؟ يتساءل الكاتب المحتج على كنيسته البروتستانتيّة في منشور له عام 2008 كان أعلن البابا بندكتس السادس عشر أنه لا يحق لكنيسة، لا تقبل ولا تحوي كل تعاليم المسيح الموجودة في الكتاب المقدس، أن تسمي نفسها كنيسة. فقامت ضجّة كبيرة في الكنيسة البروتستانتية ونعتت البابا بالمتشدد والمتعصب وذي الأفكار الرجعية وأنه يسد طريق الحوار وإمكانية التوحيد معهم، إذ لا يعترف بهم ككنيسة وإنما ببدعة منشقة عن الكنيسة الأم. وأما جواب البابا فكان: الوحدة في الإيمان والحقائق هي قبل الوحدة في الطّقوس. ففي فهم الحقائق الدينية واللاهوتية لا مكان لنصف حقيقة والتغطية على النصف الثاني وكأنه غير ضروري. لذا لا ينفعنا، نحن البروتستانت أن نفتش دائماً عن أعذار لبقائنا بعيدين عن تعليم الكنيسة الكاثوليكية والتشهير بها كأنها لا تريد الوحدة معنا! بالإضافة إلى إدخال تعليمات عصرية تماشي الروح العصرية ولكن ليس الدينية، كرسامة نساء بدرجة الكهنوت أو الأسقفية، تحليل الإجهاض ومباركة الأزواج المثالية المشتركة. أضيف على ذلك موافقة الكنيسة البروتستانتية بالاعتراف بزواج الشاذين واعتبار زواجهم كامل الحقوق كالزواج الذي أقره الله للبشرية.

إن أمنية الكنيسة البروتستانتية أن تعود إلى ما قبل الانفصال وتعترف الكنيسة الكاثوليكية بها لتستطيع سنة 2017 بعد 500 سنة من الانشقاق أن تحتفل بإقامة الذّبيحة المقدسة وليس فقط "بطقس العشاء الأخير". على كنيستنا البروتستانتية أن تفهم أن أسباب عدم قبول الكنيسة الكاثوليكية بنا ككنيسة وبقبول سؤالنا للوحدة معها هي ليست غلطة من الكنيسة الكاثوليكية نفسها وإنما نحن المغلوطون والمحقوقون.

هذا ما نويت التنويه إليه في كتيبي هذا. إنني لمقتنع أن كل الخلافات والاختلافات حتى الدينية قابلة كلها للحل، لو أردنا نحن البروتستانت حلها وذلك برجوعنا عن بعض مطالبنا واعتراضاتنا الغير ثابتة على الكنيسة الكاثوليكية....

نعم لماذا لا نصبح كاثوليك؟ هذا في يدنا نحن وليس في يد الكاثوليك. فأنا أتساءل: أين هي الأغلاط الدينية في الكنيسة الكاثوليكية التي تمنعني من الدخول فيها والاشتراك في ذبيحةالقداس؟ كم هو جميل أن نقرأ رسالة بولس إلى أهل كورنتس (1 كور 1: 10-13) "أناشدكم، أيها الإخوة، باسم ربنا يسوع المسيح، أن تكونوا جميعاً على وفاق في الرأي، وألا يكون بينكم اختلافات، بل كونوا على وئام تام، لكم روح واحد وفكر واحد. فقد بلغني، أيها الإخوة، أن بينكم خلافات، أعني أن كل واحد منكم يقول: أنا لبولس، وأنا لأبولس، وأنا لصخر، وأنا للمسيح. أتُرى هل المسيح انقسم؟".

عام 1517 بدأ انفصالنا عن بعضنا لعدم فهمنا لقضية منح الغفران وإمكانية الخلاص بالإيمان وحده أو مقرونا بالأعمال؟ قضية الغفران حلّت نفسها من نفسها منذ أمد بعيد. وفي عام 1999 تفاهمت الكنيسة اللوثرية مع لجان في دائرة الإيمان على حل قضية الخلاص المتنازع عليها بيننا بحل مقنع للطرفين. فبهذا وضعنا أساسًا لإمكانية التباحث والحوار في حل قضية الخلاص وباقي النقاط المتنازع عليها. فما لنا واقفون جامدون في مكاننا؟ يوبيل الـ500 سنة على الانشقاق 2017 هو على الباب، فيؤسفني أن ألاحظ أن كنيستي البروتستانتية بدل أن تعقل وتبدأ بالاعتراف بالحقائق التي رفضتها واختلفت فيها مع الكنيسة الكاثوليكية، وعن غير حق، قد وضعت على برنامجها التحضيري إظهار التعصب الجديد ضد الكنيسة الكاثوليكية، كأن عليها هي أن تطلب الإعتذار منا. فلا أستغرب أن يزداد شق الانفصال والابتعاد عن الإيمان الكاثوليكي، الذي ينقصنا في كنيستنا.

إنني على يقين، لو أن لوثر عاصر الكنيسة الكاثوليكية كما هي اليوم، لما حرّك ساكنًا ولا انشقّ عنها بل لما استطاع جرّ مؤمن واحد للانشقاق! إن ما يفصلنا عن الكنيسة الكاثوليكية اليوم لا يستأهل لا التعنت ولا الموقف السلبي الموجود في كنيستنا. لا أحد يرضى أن نبقى متعادين منفصلين في الإيمان عن بعضنا في حقائق واضحة. فلو فهمنا الحقيقة لأخذنا المسؤولية على نفسنا ونادينا بأعلى حناجرنا: لا يوجد سبب أن نبقى بعيدين عن الاتفاق مع الكنيسة الكاثوليكية وتحت قيادة راعيها البابا خليفة المسيح. وانني أذكّر بهذه المناسبة كلمة المسيح لبطرس: "وأمّا أنت فثبت إيمان إخوتك لقد صلّيت من أجلك، لئلا يضعف إيمانك" (لوقا 31:12). نعم نحن بحاجة إلى هذه التقوية والوقوف جنبًا إلى جنب لنشر ملكوت الله.

كفي أيتها الكنيسة البروتستانتية. 500 سنة انفصال كفى!

الوحدة لا تتم بالجدال اللغوي بل بالمحبة الأخوية وبالصلاة. "يا أبتي! اجعلهم واحدًا كما نحن واحد" (يو 17: 11). ليكون الجميع واحدًا، كما أنّك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا كما نحن واحد" (يو 17: 21). هذه أمنيتنا. وهذا مطلب الله بالذات علينا ولنا ومنّا في هذه المناسبة.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء