العنف المجتمعي... حلول واقتراحات

العنف المجتمعي... حلول واقتراحات

رومان حداد
2018/03/01

تفاعل الإنسان مع مكانه وتبنيه توجهات سلوكية نتيجة لهذا التفاعل أصبح محل دراسة، وصارت هذه الدراسات تسمى بالدراسات البيئية أو دراسات الأثر النفسي السلوكي، وتتركب هذه الدراسات من ثلاثة مكونات هي الإنسان والبيئة والسلوك، حيث يتم دراسة التفاعل بين الإنسان وبيئته المعمارية وكيفية ومدى تأثيرها على سلوكه، فالعمارة الحديثة بدأت تأخذ في عين الاعتبار المستخدم لهذه العمارة والزائر والتأثير عليهم.

فكما هو معروف هناك أنماط (عنيدة) من السلوك ترفض التغيير وبخاصة ً المتعلق منها بالمخزون التاريخي من عادات وتقاليد، ولكن مثل هذه الأنماط السلوكية يمكن تغييرها تدريجياً، وبتسارع ملحوظ إذا ما تم تطوير النظام الهندسي (المعماري) للمكان، فالمقصود هنا تصميم فضاءات تدفع سكان ذلك المكان إلى تبني سلوك إنساني أرقى عبر إغراء المجموع في اتباع هذا النوع من السلوك والتمسك به والعمل على تعميمه وتحويله إلى ثقافة حياة.

وقد انشأ روجر باركر، وهربرت رايت أول مشروع هدفه الوحيد دراسة الكيفية التي تؤثر بها بيئات العالم الواقعي على السلوك الإنساني عام 1945، وذلك عبر دراسات جماعية في المدن للبحث في تأثير البيئة في سلوك الإنسان، وهو ما انبثقت عنه الدراسات المدنية الميدانية الجماعية أو ما عرف بـ(علم النفس العمراني) الذي دخل فيه الإنسان بسلوكه الحيوي عام 1989.

وجاء العالم كيرت ليفين ليكون أول من استخدم البيئة في بحوثه النفسية ووضعها ضمن معادلة، حيث اعتقد أن السلوك تحدده الشخصية والبيئة.

ويتبنى هذا التوجه فكرة الحتمية، أي حتمية تأثير التصميم المعماري على السلوك، بالإضافة إلى فكرة الإثارة التي تعني الاستجابة الذاتية أو الآلية، حيث يرى أصحاب هذا التوجه أن التصميم العمراني لمكان ما يحدث إثارة لدى الأشخاص بصورة تدفعه للسلوك ذاتياً أو آلياً بصورة متقاربة، وبالتالي فإن التأثير العمراني لا يتوقف على مستوى السلوك بل يؤثر في نمو الإنسان وتكوينه وبنائه وشخصيته وصحته العقلية والنفسية، كما تؤثر البيئة كذلك في اتجاهات الإنسان وميوله وأفكاره وآرائه وفي سمات شخصيته.

هذا التوجه تم تبنيه بصورة واضحة في مدينة (ميديين) الكولومبية والتي كانت أخطر مدينة في منتصف التسعينات من القرن الماضي، وذلك بنسبة 375 جريمة قتل لكل 100000 شخص، حيث ظهر أن مواجهة العنف في هذه المدينة (المرعبة) عبر استخدام القوة أمر لا يحدث النتائج المرجوة، ولا يمكن أن ينشر الأمن في المدينة، فتم اللجوء إلى حل مبتكر وهو علم النفس البيئي، وتم إعادة النظر في الفضاء المعماري والوظيفي للمدينة، ونتيجة لهذا التحول المعماري في المدينة تحولت مدينة (ميديين) عام 2007 إلى واحدة من المدن الآمنة على مستوى العالم.

أردنياً يجب الاعتراف أن العنف المجتمعي المنتشر في الأردن له أسبابه الثقافية كما له أسبابه البيئية المرتبطة بتصميم المدن والقرى والعمارة السائدة فيها، ووظائف هذه العمارة، وكيفية تأثيرها على السلوك الجمعي، فلا يوجد في مدننا نسق معماري محدد يعطي للمكان عنوانه الحضاري وجماليته الفنية، وفي كثير من المحافظات نفتقد إلى مبنى ذي تصميم معماري مميز يدفع سكان المدينة إلى التعامل مع المكان بأداء سلوكي خاص أو مختلف، قادر على التأثير على الأداء السلوكي العام في الفضاء المدني.

وهنا يبرز دور الدولة والبلديات أيضاً، حيث يترتب على كل من الدولة والبلديات أن تتبنى تصوراً خلاقاً عبر تبني الحل المعماري لمشكلة السلوك العنفي عبر خلق فضاءات معمارية تحد من هذا السلوك وتقدم حلولاً ومقترحات جديدة لشكل علاقة المواطن مع المكان الذي يعيش فيه، وعلاقة المواطن مع الآخرين، ويساعد على خلق أنماط من العلاقات الاجتماعية لم تكن متصورة أو ممكنة من قبل.

فبناء على نظرية الحتمية السلوكية، رغم ما يواجهها من اعتراضات، فإن إيجاد مدينة ملاهي في كل مدينة أردنية يخلق مجالاً للتحرك كـ(عائلة) إلى هذا الفضاء العام، وكذلك وجود حدائق عامة كبيرة نسيج لمجموعة من الألعاب والتفاعل الإنساني بين القاطنين في المنطقة يساعد على إعادة بناء تسيج اجتماعي وإعادة بناء الأفراد أنفسهم، وكذلك وجود (مول) أيضاً في عدد من المحافظات قد يغير من طبيعة العلاقات الاجتماعية في السلوك العام داخل المول، ووجود مطاعم وجبات سريعة بديكورات جميلة يقدم نموذجاً جديداً للشباب، ويساعدهم على بناء علاقات اجتماعية وفق نهج سلوكي جديد، وهو ما يكسر العديد من الحواجز ويركز على عدد من الطبائع اللاعنفية، فالعنف لا يولد داخل أي مجتمع، بل تتم صناعته مجتمعياً كغيره من الظواهر الاجتماعية التي تعكس ثقافة وبنية تشكيل المجتمع والدولة، وبالتالي فاللاعنف يمكن صناعته و(هندسته) أيضاً من قبل الدولة ومؤسساتها.

كما يمكن تغيير السلوك عبر عكس العجلة الاقتصادية والبنية الاجتماعية، ففيما يتعلق بالبعد الاقتصادي لا بد من إيجاد فرص عمل خاصة بالإناث في وظائف لها علاقة بالتعامل العام مع المواطنين في المحال التجارية في المحافظات التي توصف بأنها المحافظات الأكثر محافظة وانغلاق، على أن تكون هذه الوظائف ذات مردود اقتصادي جيد على الفتاة، وهو ما سيدفع فئة كبيرة من الفتيات للعمل وهو ما يكسر العديد من التقاليد الثابتة ويغير آلية السلوك لدى السكان في هذه المحافظات.

كما يمكن الاستفادة من انتشار الجامعات في مختلف المحافظات بصورة مختلفة عما يتم اليوم، حيث نرى أن غالبية المنتسبين للجامعات في المحافظات هم من أبناء المحافظة، وهو ما يزيد انغلاق المجتمعات المحلية على ذاتها ويستهد على خلق هوية محلية تتنافس مع الهوية الوطنية، ويخلق حالة من إمكانيات الصدام بين مكونات المجتمع الأردني، والمجتمع المحلي أيضاً الذي سيجد إمكانية تقسيمه إلى هويات أضيق.

دور الجامعات هو إحداث حالة الدمج المجتمعي والتبادل الثقافي بين الأردنيين في محافظاتهم المختلفة، حيث يجب أن تضم كل جامعة ما يزيد عن نصف طلبتها من محافظات أخرى ويفضل من أقاليم أخرى، فهذا يعيد للجامعة دوراً من أدوارها الحيوية وهو إعادة تشكيل ذهنية الطلبة بصفتها مجتمعاً منفتحاً على الآخر.

هذه مجرد محاولات لتقديم حلول لحالات العنف المجتمعي، والسؤال هل الدولة والحكومة حاضرتين لتقديم حلول وتنفيذها أم أننا سنظل نصدم بحالات العنف المجتمعي وندعي كل مرة أن هذا السلوك ليس منا وإنما طارئ علينا؟

(نقلا عن الرأي الأردنية)

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء