الصوم زمن للتوبة والرجوع إلى الله

الصوم زمن للتوبة والرجوع إلى الله

المطران كريكور اوغسطينوس كوسا
2018/02/11

تبدأ اليوم الاثنين، اثنين الرماد، مسيرة زمن الصوم التي ستستمر أربعين يوماً وستقودنا حتى أحد الشعانين، يوم دخول السيد المسيح إلى اورشليم، لنحتفل معه بذكرى آلامه وموتهِ وقيامته من بين الأموات: "مركز وقلب سر خلاصنا".

إن الصوم الأربعيني يُهيئانا لهذا الحدث الهام في حياتِنا وإيماننا المسيحي، ولهذا يُشكل زمن الصوم نقطة تحول في داخلنا بإمكانها أن تحفز كل منا على التغير، والتوبة. ونحن جميعنا نحتاج لتحسين أنفسنا، وللتغير للأفضل. وزمن الصوم الأربعيني يساعدنا على التحرر من العادات العليلة ومن الإدمان الكسول على الشر الذي يضللنا.

إن الكنيسة، في زمن الصوم الأربعيني توجه لنا دعوتين مهمتين: أن ندرك بطريقة أكثر حيوية عمل المسيح الخلاصي ، وأن نعيش معموديتنا بالتزام أكبر.

إن ادارك العجائب التي صنعها الرب من أجل خلاصنا يهيئ عقلنا وقلبنا للإحساس بالعرفان تجاه الله، على كل ما منحنا إياه من مواهب ونِعَم ، وعلى كل ما صنعه ويصنعه لأجل شعبه ولأجل البشرية بأسرها. من هنا تنطلق توبتنا: والتي هي مجرد استجابة شاكرة على السر الرائع لمحبة الله. فعندما نرى مقدار محبة الله لنا، فإن الرغبة في الاقتراب منه تجتاحنا وهذه هي: التوبة والمصالحة.

أما الدعوة الثانية فتتمثل في عيش معموديتنا بعمق، وهذا يعني أيضًا عدم الاعتياد على أوضاع البؤس والتدهور التي نلاقيها عندما نسير على دورب مدننا وبلادنا. فهناك خطر قائم يتمثل في القبول السلبي وعدم التأثر أمام هذه الأوضاع المحزنة التي تحيط بنا. فنتعود على العنف، كما ولو كان خبراً يومياً مألوفاً. ونتعود على رؤية إخوة وأخوات يلتحفون الشوارع، بلا سقف يأويهم. ونألف رؤية اللاجئين الباحثين عن الحرية والكرامة، والذي لا ينالون الاستقبال اللائق. نتعود على الحياة في مجتمع يعتقد أن بمقدوره العيش بدون الله، حيث لا يُعلّم الأهل اولادهم الصلاة، وعمل الخير، وخدمة الفقير، وزيارة المريض... إن إدمان التصرف بطريقة غير مسيحية ولا إنسانية، وبحسب أهوائنا يدفعنا إلى تخدير قلوبِنا وضمائرنا.

يأتينا زمن الصوم الأربعيني كفرصة من العناية الإلهية لتغير الاتجاه، ولإستعادة القدرة على إتخاذ موقف حيال أوضاع الشر الذي يتحدانا دائمًا. ولهذا ينبغي علينا أن نعيش زمن الصوم الأربعيني كوقت توبة، كوقت تجديد شخصي داخلي وجماعي بواسطة الاقتراب من الله بالإعتراف والمناولة وقراءة والإنجيل وحياة الأباء القديسين. بهذه الطريقة بإمكاننا سنرى بأعين جديدة الأخوة أحباء الله ونعرف عن كثب إحتياجاتهم. إن زمن الصوم الأربعيني هو وقت مناسب للتوبة ولارتداد القلب تجاه الله والقريب، وللمحبة التي تعرف كيف تتبنى سلوك العرفان والرحمة الخاص بالرب، والذي "قَدِ افتَقَرَ لأَجْلِكُم وهو الغَنِيُّ لِتَغتَنوا بِفَقْرِه" (قورنتس الثانية ٨ : ٩). إننا، بواسطة تأمل الأسرار الأساسية للإيمان، والألم، والصليب وقيامة المسيح، ندرك عظمة عطية الفداء التي قد مُنِحت لنا بمبادرة مجانية من الله.

نشكر الله من أجل سر محبته التي فاضت علينا من سرّ الصليب، والإيمان الأصيل، والتوبة وفتح القلب للإخوة: هذه هي العناصر الأساسية لعيش زمن الصوم الأربعيني الكبير.

في هذه الأيام المقدّسة، نضع مسيرتنا الروحيّة بكلِّ ثقة تحت ظلِّ حماية العذراء مريم، ونطلب منها أن ترافقنا في هذه الأيام، أيام الصلاة والتوبة والمصالحة، كي نصل للاحتفال بسر فصح ابنها العظيم، بطهارة وبروح متجدد.

+المطران كريكور اوغسطينوس كوسا
اسقف الاسكندرية واورشليم والاردن للأرمن الكاثوليك

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء