الصورة ذات الحدين

الصورة ذات الحدين

حنان كامل الشيخ
2017/10/10

غالبا ما يكون مكانه إحدى درفات الخزانة التي ما يزال مفتاحها أهم ممتلكات ربة المنزل، داخل هذه الدرفة “درج” ربما كان له مفتاح أيضا، إذا فتحته ستجد فيه سند “طابو” وعقد الزواج وبعض شهادات الميلاد قديمة الإصدار، أوراق قرض تم تسديده على دفعات شهرية مسجلة باليوم والتاريخ، وتحت هذا كله ألبوم صور، بغلافه المقوى الجميل اللامع يشد عينيك بينما تبحث تحته وفوقه عن مستندك الضائع، تسحبه من تحت غبار الذكريات، وتبدأ بتصفح الأيام.

في سهرات العائلة والأصدقاء التي لا تخلو من أحاديث عن زمن مضى، وربما سفر سرق العائلة بكاملها أو واحدا من أفرادها، غالبا الأب، لسنوات ثقيلة، ووثق ما استطاع منها بالصور المحفوظة في الألبوم ذاته، يتحفز الجميع لرؤيتها مع سماع الشرح الموجز أو قراءة ما كتب خلف كل صورة.

هو ألبوم صور بالمسمى، لكنه في واقع الحال حافظ الذكريات وحارسها، جالب الضحكات والتنهيدات أحيانا، وبالطبع الدمعات!

لعلكم تشاطرونني الرأي أن ذلك الألبوم الشخصي جدا، كان يستحق تلك المهابة والاهتمام والحفظ بعيدا عن أيدينا العابثة، وما يزال. وإن خالفتني الرأي بادر الآن بلمس شاشة هاتفك الذكي وافتح ألبوم صورك واستعرض الصور بدقيقتين، ثم أغلق ألبومك وهاتفك، حتما تشعر بما أقصد!

سهولة التصوير الحديث والذي وصل عند غالبيتنا حدا ربما يقارب الهوس أو عارضا مرضيا، من تصويرات السيلفي اليومية و”البوزات” التي لا تنتهي، إلى صور موائدنا، سيرنا في الشوارع، جلوسنا في المقاهي والمطاعم والمنتجعات السياحية وغيرها وغيرها، وعرضها هكذا بكل بساطة ليراها الجميع من تعرف ومن لا تعرف، حتى إننا لا نأبه أن تكون هذه الصورة أو تلك قد اخترقت خصوصية غيرنا، فظهر أو ظهرت في الصورة عن غير قصد، اللهم إلا أن وجوده أو وجودها تصادف مع لحظة التقاطنا لصورنا اليومية التي لا تنتهي، وطبعا لن يخطر لنا أن نستأذن المحيطين بنا بأخذ صورة لمن لا يحب أن يظهر في لقطاتنا التاريخية!

وبالمثل مشهد الفيديو الذي نصر أن نلتقطه رغما عن كل الجالسين في المكان وبدون إذن منهم. ولقد عايشنا حدثين خلال الأيام الماضية مرتبطين بقصة التصوير؛ واحدة منها تعد إيجابية رغم أنها احتوت على ما لم نحب أن نراه من اعتداء على مواطن بالضرب، ولكن لا ننكر أن الإيجابية في الأمر كانت بأخذ المشهد كاملا واضحا من كاميرات المراقبة، الأمر الذي سييسر حتما على أصحاب القرار تصويب تلك الزلة في جهازنا الذي نحب ونفخر به. أما القصة الثانية فتخص أسرة جربت معنى الوجع والخيانة، حين اكتشفت زوجة بالصدفة علاقة زوجها بصديقتها المقربة، وهما يجلسان في مقهى خلال التقاط مشاهد لتصوير تقرير على إحدى المحطات. طبعا لعل من حسن حظ الزوجة اكتشاف الأمر، إنما المخجل أن تكتشفه بهذه الطريقة العجيبة! فليس من حق أي حامل كاميرا ولو كان يمثل تلفزيون الحكومة، أن يقوم بتصوير الناس عشوائيا وبدون أن ينبههم لذلك، فالقضية لا تخص خيانات زوجية فقط، لعل الطريقة لم تكن ملائمة لكشفها، بل تتعداها لتنال من حقوق بديهية للإنسان في حرية الحركة.

لا أنكر أن التصوير فن وفيه جمال وإبداع، وكثيرة هي الصور التي نشكر مصوريها لما في لقطاتهم من حرفية وإتقان، وهو أيضا كأي عمل إبداعي يحتاج تدريبا وممارسة لمن أراد احترافه. لكنه رغم ذلك يحتاج إلى احترام خصوصية الآخرين تماما مثل الكلمة المنشورة، وربما أكثر لقوة تأثيرها.

(نقلا عن الغد الأردنية)

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء