الأحد الثالث بعد العنصرة

الأحد الثالث بعد العنصرة

الأب بطرس ميشيل جنحو
2018/06/14

فصل شريف من بشارة القديس متى
(متى 6: 22–33)

قال الربُّ سراجُ الجسدِ العينُ . فإن كانت عينُك بسيطًة فجسدُك كلُّهُ يكونُ نيرًا * وان كانت عينُك شريرةً فجسدُك كلُّهُ يكونُ مُظلمًا. واذا كان النورُ الذي فيك ظلامًا فالظلامُ كم يكون * لا يستطيع احدٌ أن يعبُدَ ربَّينِ لأنه إما أن يبغضَ الواحِدَ ويُحِبَّ الآخر او يلازَم الواحِدَ وَيرذُلَ الآخر. لا تقدرون ان تعبُدوا اللهَ والمالَ * فلهذا اقولُ لكم لا تهتموُّا لأنفسِكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادِكم بما تلبَسون * أليست النفسُ افضلَ من الطعام والجسَدُ افضَلَ من اللباس * انظروا الى طيور السماء فانَّها لا تزرعُ ولا تحصِدُ ولا تخزُنُ في الأهراء وابوكم السماوي يَقوتُها. أفلستم انتم افضلَ منها * ومن منكم اذا اهتمَّ بقدِرُ أن يَزيدَ على قامتهِ ذراعًا واحدة * ولماذا تهتمُّونَ باللباس. اعتَبرِوا زنابقَ الحقلِ كيف تنمو. إنها لا تتعبُ ولا تَغزِلُ * وانا اقولُ لكم إنَّ سليمانَ نفسَهُ في كلِ مجدِه لم يلبس كواحِدَةٍ منها * فاذا كان عشبُ الحقلِ الذي يُجدُ اليومَ وفي غدٍ يُطرَحُ في التنُّورِ يُلبسهُ اللهُ هكذا أفلا يُلبسُكم بالاحرى انتم يا قليلي الايمان * فلا تهتموُّا قائلين ماذا ناُكلُ او ماذا نشربُ او ماذا نلبَسُ * فانَّ هذا كلَّهُ تطلُبهُ الأَمم. لانَّ اباكم السماويَّ يعلمُ إنكم تحتاجون الى هذا كلِّهِ * فاطلبوا اولاً ملكوتَ اللهِ وبِرَّهُ وهذا كلُّهُ يُزادُ لكم.

بسم الأب والأبن والروح القدس الإله الواحد أمين

المقطع الإنجيلي لهذا الأحد هو جزءٌ من العظة على الجبل. تلك العظة التي أراد يسوع من خلالها أن يكون لنا علاقةٌ بما يريد الله لنا. هو مقطع يحدثنا كيف أننا مدعوون لنبتعد عن العمل والسعي لأجل ذواتنا وإرضاء أنفسنا. هذا عملٌ أنانيٌّ إن بقينا عليه وأكتفينا فيه. بل علينا أن ندخل بعمقٍ أكبر ونرى ما هو الذي يريده الله منا. لن نتمكن من تالك المعرفة إلا إذا كان قلبنا يلهج بتلك المحبة لله ورغباتنا تسير وراء ماذا يريد الله منا أن نفعل؟ بهذه الصورة ننطلق نحو حياةٍ جديدةٍ نحو معطيات كلها فرحٌ وابتهاجٌ. فرحنا لا يكمن في أن ننغلق على أنفسنا، بل عندما نتجه نحو الآخرين. فرحنا يكمل من خلال خدمتنا للآخر. هذه الصورة الأساسية التي يجب أن نضعها كنقطة انطلاقٍ لكلِّ ما نفعل.

سراج الجسد هو العين وبحسب المكتوب في سفر المزامير "سراجٌ لرجلي كلامك ونورٌ لسبيلي." تكون العين البسيطة هي التي تنظر إلى الأمور بنور كلمة الله، فتراها كما يراها الله وتقيّمها كما يقيّمها الله. فهذه هي "البساطة التي في المسيح." لذلك يقول الرسول بولس أيضاً للكورنثيين "لأن فخرنا هو هذا شهادة ضميرنا أننا في بساطةٍ وإِخلاص الله لا في حكمةٍ جسديَّة بل في نعمة الله تصرَّفنا في العالم ولا سيما من نحوكم." وبالعكس فالعين الشريرة هي التي تتصرف في العالم "بحكمة الناس" وليس في نعمة الله فهذه العين الشريرة تمجد الإنسان ورغباته وشهواته، وتمجد "كلام الحكمة الإنسانية المقنع" وترى الأمور وتقيّمها إنسانياً أو مادياً في انفصال عن الله وحينئذٍ تقود العين الشريرة الجسد كله للسلوك في الظلام والابتعاد عن نور المسيح.

العين البسيطة هي عين غير معقدة او مركبة لا يوجد فيها حقد أو كراهية أو مكر أو شهوة أو كبرياء. بالبساطة تكون العين نقية كما كانت عيون ابوينا الأولين آدم وحواء بسيطة قبل أغراء الحية لهما ولكن عندما أغرتهما الحية نظرا الي شجرة معرفة الخير والشر ، وأذ بهما يريانها بهجة للعيون وشهية للنظر وجيدة للأكل، كما تغيرت نظرتهما لبعض البعض وعرفا العرى والخجل وأختبأ من الله وتغطيا باوراق التنين وفقدا بساطتهما.

العين البسيطة بعكس العين الشريرة لا تشتهي، أو تحسد، أو تتمنّى الشرّ، بل تنظر بطهارة، ولا تطلب ما هو لذاتها، بل ما هو لخير الآخر.

نحن فى حاجة الى معونة من الله ليكشف لنا الامور الروحية التي تعجز عيوننا وعقولنا عن معرفتها، فالكتاب المقدس هو سراج منير وبه نستنير وعلى هدية نسير.

العين هي النور والنافذة التى يري به الإنسان كل شيء وإن فقدت العين نورها يعيش الإنسان في الظلام، كما ان العين تكشف لنا كل شيء أمامنا وبها نكتشف ما حولنا من اشخاص واشياء وعندما ننظر الي العيون نعرف بها دواخل الناس. فأن كنا عن طريق العين نستطيع رؤية الأشخاص والأشياء من حولنا. وعن طريق العين تستطيع أن تتمتع بجمال الطبيعة الخلاّب لكن عن طريق العين أيضًا قد نرى الأمور الفاسدة. وقد تؤذي عيوننا بمناظر لا يليق أن ننظر إليها، لأنها تسبب لك انحرافًا في الفكر والسلوك.

ولكي يكون سراج جسدنا أي عيوننا بسيطة، ويغدو جسدنا كلّه نيّرًا، علينا أن نجعل النور الحقيقي، المسيح يسوع ربنا مخلّص العالم ونوره يدخل حياتنا. ويطرد الظلمة منها ويصير هو النور الذي تستمد منه بصيرتنا الروحية الرؤية الصحيحة للأمور.

وفي النهاية يسوع يقول لنا: "أطلبوا أولا ملكوت الله وبرّه وهذا كله يزاد لكم". إذن الحاجة الروحية هي الأولى. الروح تحتاج إلى الصلاة والاشتراك في الأسرار المختلفة... إذا طلبنا الله أوّلا سيُزاد لنا كلّ الباقي: الطعام والمسكن وشريك الحياة والعمل اللائق. عندما نقرّر أن نعبد الله وحده، هو سيعطينا حاجاتنا الاخرى. هو سيجعل عيننا بسيطة. والعين البسيطة ترى عناية الله بها بوضوح، فتضع فيه ثقتها بالنسبة لمستقبلها وحاجاتها وقراراتها. العين الشريرة هي التي لا ترى حاجة إلى الله أو التي تكتفي بايمان قليل به. فتحاول تأمين حاجاتها المادية والنفسية بقوّتها فقط، وربما تقع في الخطيئة بهدف الوصول إلى حاجاتها. كثيرون توصّلوا إلى تأمين حاجاتهم بغياب الله ولكنهم فقدوا السعادة والسلام الداخليين. هناك مثل يقول: "المال يحقق كل شيء". المال يعطي الطعام والسيارة والأصدقاء ولكنه لا يعطي السلام والسعادة .عندما أضع الله في المرتبة الاولى في حياتي، ربما لن آكل أو ألبس أو أسكن في الأفضل، ولكن سيكون لي ما يكفيني من الطعام وسألتقي بأصدقاء حقيقيين ولن يعوزني شيء. "الرب راعيّ فلا يعوزني شيء"، كما يقول المزمور.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء